أحمد بن علي القلقشندي
4
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
تحتها سواء في ذلك المماليك والأمراء وغيرهم ، حتّى يحكى عن الملك المعظم عيسى بن العادل أبي بكر صاحب دمشق في اطَّراح التكلَّف : أنه كان يلبس الكلوتة الصفراء بلا شاش ، ويخترق الأسواق من غير أن يطرّق بين يديه كغيره من الملوك ، وكان سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي حين ملك الموصل بعد أبيه أحدث حمل السّنجق ( 1 ) على رأسه ، فتبعه الملوك على ذلك ؛ وألزم الأجناد أن يشدّوا السيوف في أوساطهم ، ويجعلوا الدّبابيس تحت ركبهم عند الركوب كما حكاه السلطان عماد الدين ( 2 ) صاحب حماة في تاريخه . فلما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه اللَّه الديار المصرية ، جرى على هذا المنهج أو ما قاربه ، وجاءت الدولة التركية ( 3 ) ، وقد تنقحت المملكة وترتّبت ، فأخذت في الزيادة في تحسين الترتيب وتنضيد الملك وقيام أبّهته ، ونقلت عن كل مملكة أحسن ما فيها ، فسلكت سبيله ونسجت على منواله حتّى تهذّبت وترتبت أحسن ترتيب ، وفاقت سائر الممالك ، وفخر ملكها على سائر الملوك . ولم يزل السلطان والجند يلبسون الكلوتة الصفراء بغير عمامة إلى أن ولي السلطان « الملك الأشرف خليل » ( 4 ) بن السلطان الملك الناصر محمد بن
--> ( 1 ) لفظ تركي يطلق في الأصل على الرمح ، والجمع سناجق وهي رايات صفر صغار يحملها السنجقدار . وكانت العادة أن يركب السلطان في المواكب زمن السلم بالسناجق فقط . أما مواكب الحرب فكان سير السلطان فيها بالأعلام ومنها السناجق ، ثم راية عظيمة من حرير أصفر مطرزة بالذهب عليها ألقابه واسمه وتسمى العصابة ثم راية أخرى عظيمة في رأسها خصلة من الشعر تسمى الجاليش أو الشالش أو الجتر . ( مصطلحات الصبح : ص 186 ومقدمة ابن خلدون : ص 460 ) . ( 2 ) هو الملك المؤيد ، إسماعيل بن علي بن محمود : مؤرخ جغرافي ، له « تقويم البلدان » . ولد ونشأ بدمشق ثم رحل إلى مصر فاتصل بالملك الناصر المملوكي الذي أقامه سلطانا مستقلَّا على حماه . وتوفي بها سنة 732 ه . ( الأعلام : 1 / 319 ) . ( 3 ) سنة 648 ه . وأول من تسلطن منهم عز الدين أيبك الجاشنكير . ( 4 ) سنة 689 ه .